ثمانية أيام تفصل بيننا و بين أول انتخابات برلمانية حقيقية في مصر. المنافسة على أشدها بين الأحزاب و بعضها البعض، و المستقلين و بعضهم البعض. إلا أنه في فترة الدعاية الانتخابية التي تسبق عملية التصويت أصبح جلياً أنه هناك غياب للرقابة على هذه الدعاية يكاد يساوي في بشاعته الغياب الأمني الذي تعاني منه كل محافظات مصر من شمالها إلى جنوبها.
تمشي في الشارع أو تقود سيارتك، فتجد من يمطرك بوابل من المنشورات الدعائية لأحزاب أو أشخاص مرشحين في الانتخابات القادمة . بعضها يحمل برنامج انتخابي و البعض يحمل دعوة لحضور مؤتمر جماهيري يقوم به المرشح أو الحزب. و لكن للأسف بعضها يحيد عن هذا كله بحيث تتحول العملية الانتخابية التي يجب أن يكون التفاضل فيها على أساس ما يحققه البرنامج الانتخابي لأبناء الدائرة و قدرة المرشح على الوفاء بما جاء فيه إلى معركة بين الكفر و الإيمان و جهاد أكبر هدفه النيل ممن يسمونهم أعداء شرع الله.
أحد هذه المنشورات تحت عنوان “ الأحزاب الإسلامية … أمل الأمة في المستقبل” استهل كاتب المنشور بقوله” إن نشأة الأحزاب الإسلامية في مصر مبنية في الأصل على هدف واحد و هو إعلاء كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله” فهل يعني ذلك أن من لن ينتخب أي من هذه الأحزاب يكفر بالشهادتين ؟؟!! و استرسل قائلا “ نحن نثق في هذه الأحزاب الفاضلة التي يعول عليها حمل أمانة عظيمة في مواجهة أعداء شرع الله تعالى” من المقصود بأعداء شرع الله؟؟!! هل هو المصري الذي سينتخب حزب يحقق له حياة كريمة؟ أم هو المصري الذي سينتخب مرشح مستقل ليس له ولاء لحزب أو جماعة و إنما ولاءه لأبناء دائرته الذين يثقون في قدرته على تنفيذ ما وعد؟.. و بعد مهاجمته لمن يسميهم أعداء شرع الله الذين يبغون حكم الجاهلية يتهمهم عياناً بياناً بأنهم “مسلمين غير موحدين بالله تعالى “ وهو على ما أظن تكفير صريح لمن يخالفهم الرأي.
يستكمل كاتب المنشور بتعريف مبسط عن هذه” الأحزاب الإسلامية صاحبة المهمة المشرفة” حسب قوله و لم يقل “ بعض الأحزاب الإسلامية” . و يذكر حزبين اثنين لا ثالث لهما، رغم أني أظن أن الأحزاب الإسلامية في مصر أكثر من أن يتم اختزالها في حزبين اثنين. يقول عن الحزب الأول أنه “ حزب إسلامي يسعى إلى النهوض بمصر لتكون في مكانتها الطبيعية الرائدة و يسعى إلى محاربة الفساد المستشري في أنحاء البلاد”. كيف سيفعل ذلك ؟؟!! لا أدري. و ربما لا يدري كاتب المنشور نفسه، فلا يوجد في المنشور المكون من صفحتين أي جملة توضح آلية الوصول لهذا الهدف و إلا كنت انضممت لهم. ثم يسترسل في شرحه قائلا “ ليس الذي نعتقده هو الدولة الدينيةالتي تدعي الحق الإلهي في الحكم: و تحتكر وحدها الصواب في الرأي” رغم أن هذا بالضبط ما يفعله كاتب المنشور، يحتكر الإيمان و يلقي بلعناته على من يخالفه . تناقض ولا أغرب منه خاصة عندما يتبع الجملة السابقة بالجملة التالية “ولا هي النموذج اللاديني المتطرف الذي يريد اقتلاع الأمة من جذورها”. من هو المتطرف الذي يريد اقتلاع مصر من جذورها ؟؟ من يخالفه في أسلوب التكفير في الدين و الاحتكار في الفكر؟؟ أم من يتبعه في الحياد عن منهج الإسلام الوسطي التي طالما مثلته مصر و حماه كبار مشايخها؟؟
أما الحزب الثاني فهو لا يختلف في الجمل الانشائية عن سابقه. فهو حزب “ يحمل الوسائل التي يسعى فيها إلى تحقيق نهضة مصر الشاملة و المتكاملة التي تصبح بها في مكان الريادة”. و لم يذكر المنشور في صفحاته المحمَّلة بآيات كتاب الله الكريم و أحاديث المصطفى صلى الله عليه و على آله و صحبه و سلم وسيلة واحدة من تلك الوسائل.
وكي لا أطيل عليكم أكثر من ذلك يختتم المنشور ببشرى لمؤيديه “بنصر من الله و فتح قريب” و ملحوظة تقول “ لا تلقي هذه الورقة على الأرض لأن بها اسم الله سبحانه و تعالى” و هو في ذلك محق كل الحق . فلولا اسم الله و آيات كتابه و أحاديث نبيه لكان مصير هذه الورقة القمامة و هو نفس المصير الذي ينتظر من يتاجر باسم الله و باسم الاسلام بغية تحقيق مكاسب سياسية أو حزبية. من حق الأحزاب الإسلامية أن تشارك في الحياة السياسية المصرية مثلها مثل غيرها. من حقها أن يكون لها مؤيدين و من المنطقي أن يكون لها معرضين كحال كل توجه سياسي. و لكن ليس من حقها أو من حق أحد أن تضع هذا في الجنة و تضع هذا في النار و تقول هذا مؤمن و ذاك كافر حسب الاتفاق و الاختلاف معها.
و الله يولِّي من يُصلح.